عز وجل ، وفنى نفسه عمّا سوى اللّه بحيث يكون وجود الدنيا وما فيها في نظر شهوده كظلّ وفيء - بل كلا شيء - فلا يتغيّر حاله عند تغيّر الأحوال ، ولم يبرح عمّا هو عليه في كل حال ، فالأحسن لمثل هذا الإنسان أن يبرز من مكمنه ويظهر للخلق مرتبته وحاله ليتأسّوا به وتبرّكوا بوجوده ، وتقيّدوا به في طريق السلوك والعبادة والطاعة وهكذا كان دأب أكابر العلماء والمجتهدين في البداية والنهاية .
المشرع الثالث في حقيقة الوحدة المقصودة من كلمة التهليل
اعلم أن لفظ « الواحد » قد يكون اسما وهو الواحد بما هو واحد ، وقد يكون صفة وهو الشيء الواحد ، فالأول هو الذي يتقوم منه العدد بتكريره ، والثاني كقولك : « شخص واحد » وربما يوجدان في أمر واحد باعتبارين ، كعشرة واحدة فإن الوحدة العارضة للعشرة غير الوحدات التي تتقوّم هي منها .
ومطلق الوحدة معناه أنه لا ينقسم من جهة ما يقال إنه واحد ، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين ، لأنّ صرف الشيء وحقيقته لا يكون إلا معنى واحدا ، فكلّما فرضته ثانيا له ، فإذا نظرت إليه فهو بعينه هذا ، ولا يفارقه إلا لمعنى آخر غير حقيقته ، فالإنسان ينقسم إلى أبعاض وأجزاء ليس شيء منها إنسانا ، أو إلى جزئيات وأشخاص ليس تعددّها في نفس الإنسانية بل بأمور عارضة ومشخصات لا حقة لنفس ماهيّتها ، وذلك من جهة أخرى .
ومن هاهنا يعلم ويتحقق أن الوحدة لازمة لكل حقيقة ولكل مهيّة ، والكثرة أمر لا حق له من الخارج ، كما أن الوجود فاش منبسط على كل شيء ( عام منبسط