تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
عقدته الأفلاك الدائرات والكواكب السائرات . وما قال بعض أرباب القلوب في بعض مخاطباته للنفس : « اذكري أيها المدينة الفاضلة ربّك بأصواتك المتجامعة والصياح والتفخيم والتعظيم ، ما أبهاك يا مدينة تحيي بذكر اللّه أسواقها ومشارعها وسككها وبيوتها وسطوحها عند بلوغ رأس النيّرات إلى مراسم التسبيح ، وكبّري تكبيرا جهريا تهزم به جنود الشيطان ، وتقهر عبدة الطاغوت ، وترعد خبيثات النفوس ، وتهزّ الأرواح وتحرّك الأشباح الصيحة الجهوريّة فريضة في كتاب اللّه المسطور بالبنان » . وبما قرّرنا ظهر أن كلّا من الجهر والإخفات ، والإعلان والإسرار مستحسن بوجه وحيثية ، واندفع التدافع الذي يتراءى بحسب الظاهر بين ما ورد في باب كلّ منهما من الاستحسان والاستهجان ، وذلك لأن ملاك الأمر في أعمال العبد وأفعاله النيّة الخالصة والتوجّه التامّ إلى معبوده والإقبال بالكليّة إلى مقصوده ، إذ العبادة والعمل بدون الإخلاص في النيّة معطّل ومهمل ، كجسد لا روح فيه وبذر لا ثمرة منه ، كقوله تعالى
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ 98 / 5 ] فالأمر إنما تعلّق بالعبادة بهذا الوجه . فإذا كان تمام العمل بالإخلاص فالإنسان ما دام في هذه النشأة الدنياوية ولم يطلق روحه عن أسر هذه القيود الجسمانية لا يأمن عما يشوّش روحه ويبعده عن حاقّ النيّة الإلهية ، فيحتاج غالبا في أوقات انزعاجه إلى الحق إلى العزلة والخلوة والاستيحاش عن الخلق ، والإسرار في العبادات والأذكار ، تخلصا عن فتنة السمعة والرياء في الإظهار ، وتحفّظا على إدامة مراسم العبودية للّه الواحد القهّار ، وإقامة لوظائف المذلّة والتواضع والانكسار ، تقرّبا إلى العزيز الغفّار لقوله : « أنا عند المنكسرة قلوبهم » . وأما إذا قوي روحه بالعلم والعمل واستحكم أساس معرفته وإيمانه باللّه