قال بعض أصحاب القلوب : يا رافع الصوت بالدعاء ويا جهوري الصياح في النداء أمن الضرب تتألّم أو مع أكفاءك تتكلّم ؟ أقسّام جهل قسمك ؟ أم رزّاق نسي أسمك ؟ سبحان اللّه عما يصفون ، وتعالى ذاته عمّا يشركون ، أنام من خلق الأنام ؟ أتظنّون أن لا تأكلوا أرزاقكم دون أن ترفعوا أصواتكم - انتهى .
ثم لا شبهة في أنّ لسان الحال أفصح ، ورواح الرحمة أبسط وأفسح ، وفائدة الذكر والتهليل هو القرب من الحقّ الجليل ، وهو إنّما يحصل بمكالمة الباطن بلسان الحال دون مقارعة الأسماع بآلة الاصطكاك بالمقال ، وكلّما كانت العبادة أسرّ وأخفى فهي أبعد عن شائبة الرعونة والرياء ، ولهذا المعنى اختار المخلصون من أهل اللّه والسالكون سبيل العبوديّة الخلوة عن الخلق للذكر والمناجاة وآثروا العزلة عن الناس حذرا عن الوسواس ، واستوحشوا من رؤيتهم خوفا عن مزاحمة الأغيار ، بل لا يحتملوا الهمس من الخفيف في أوقات انزعاجهم إلى الحق ، كيلا يشوّش حالهم ولا يتكدّر عيشهم ومنالهم .
هذا حال المريدين السالكين قبل الوصول ، وأمّا عند تحقّقهم بالوجود البقائي بعد تمام حركاتهم ذاهبين إلى ربّهم أو لا ، ثمّ ذاهبين فيه أخيرا فلا يتفاوت عندهم الخلوة والجلوة ، والإسرار والإظهار ، بل ربما كان لهم ولغيرهم في الجهر والإعلان مصلحة دينية وحكمة شرعية يرجع إلى نفس الإنسان بشخصه أو إلى إصلاح مدينة فاضلة ، كما في الجمعة والجماعات والأعياد والجيوش ، وحيث ما ورد في الشرع الأقدس من استحسان رفع الصوت والإعلان كما في الأذان وفي مواضع من الصلوات المكتوبة وغيرها .
ويناسب ذلك ما روي عن أهل الشرائع القديمة أنهم ندبوا في شريعتهم إلى رفع الأصوات بالأذكار في معابدهم ، وكذا ما قاله بعض قدماء الحكماء :
ارتفاع الأصوات في بيوت العبادات بحسن النيّات وصفاء الطويّات يحل ما
تفسير القرآن الكريم — صفحة 61
مساهمون: محمد خواجوى
ص٦١