وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » .
فوقع بيان هذه المراتب في كلام اللّه تعالى على سنّة الإلهيّة كما علمت وفي كلام الرسول صلى اللّه عليه وآله على سنّة العبوديّة ، حيث
قال « 1 » : « أعوذ بعفوك من عقابك »
فهذه ملاحظة توحيد الأفعال ثمّ قال :
« وأعوذ برضاك من سخطك »
هذا بملاحظة توحيد الصفات ، ثمّ قال :
« وأعوذ بك منك »
هذا بملاحظة توحيد الذات ، فلم يزل إلى القرب يترقّي من طبقة إلى طبقة ، ومن مرتبة إلى مرتبة في الشرف والقرب حتّى انتهى إلى النهاية ، ثمّ عند النهاية اعترف بالعجز والقصور ؛ لأن الذات الأحديّة ليس لأحد فيها قدم ؛ فقال :
« لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » .
فهذا أدقّ العلوم وأشرفها ، ومثله في الشرف والغموض علم الآخرة وعلم المعاد وهو متّصل بعلم المعرفة .
هذه العلوم الأربعة قد أودعنا في بعض كتبنا ورسائلنا شيئا من مجامعها وأوساطها ، دون القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر وطول الشواغل وقلّة الأعوان والرفقاء ، وكثرة الأضداد والمعاندين ، ولم يشبع الكلام حسب ما جعله اللّه قسطي لأنه مما يكلّ عنه أكثر الأفهام ويستضرّ به الضعفاء وهم أكثر المترسّمين بالعلم ، وإنّي ما رأيت في مدّة عمري هذا ، وقد بلغ سنوه إلى نيف وأربعين من عنده خير « 2 » من علم الآخرة على وجه تطابق القرآن والحديث ، وعمل بمقتضى الكشف الصحيح ، بل قلّ من العلماء من أحكم ظواهر العلوم الحقيقيّة ومباديها ، فضلا عن أواخرها وأقاصيها ، حتّى ارتاضت نفسه ، واستقامت على
هامش
( 1 ) في مسلم : 4 / 203 وأبى داود : 1 / 232 باب الدعاء في الركوع والسجود :
أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك . . .
( 2 ) الظاهر أن الصحيح : خبر .