تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء ، وهو الغرض من بعثة الأنبياء ونصب الأولياء ، وبه تحصل النجاة من عذاب النار القطيعة وجهنّم البعد ، والاحتجاب عن ربّ الأرباب ، مع أن كل أحد يرجع إلى ربّه بوجه ، كما قال :
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
[ 21 / 93 ] إلّا أن أكثرهم ناكسة رؤوسهم ، محجوبة عقولهم ، مقيدة أبدانهم بالسلاسل والأغلال ، وجميع الطرق يتشعّب ويتفرّع من طريق التوحيد . ويؤيّد ذلك ما روى « 1 » عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لما أراد أن يبيّن ذلك للناس خطّ خطّأ مستقيما ، ثمّ خطّ من جانبيها خطوطا خارجة من ذلك الخطّ ، وجعل الأصل الصراط المستقيم الجامع ، والخطوط الخارجة منها جعل سبل الشيطان كما قال اللّه تعالى
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ 6 / 153 ] يعنى السبيل التي لكم فيها السعادة والنجاة ، وإلّا فالسبل كلّها إليه ، لأنّ اللّه منتهى كلّ سبيل فإليه يرجع الأمر كلّه ، ولكن ما كلّ من رجع إليه وآب سعد ونجى عن التفرقة والعذاب ، فسبيل السعادة واحدة :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
[ 12 / 108 ] وأمّا جميع السبل فغايتها كلّها إلى اللّه أوّلا ثمّ يتولّاه الرحمن آخرا ، ويبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه . وهذه مسألة عجيبة قلّ من استقام عقله عند سماعها ودرك معناها ووصل فهمه إلى نيل فحويها ، لكن المقصود من بيان هذه ونظائرها ليس كلّ من له صلاحيّة المخاطبة العرفية دون المكاشفة الذوقية ، بل من كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد ، وإن كان نوع من الانتفاع عامّ لغيره ، أو لا ترى أن الخطاب
هامش
( 1 ) الدر المنثور : 3 / 56 ،