وجه المطلوب - وأما نفس الصفاء والصقالة فلكونها أمرا عدميّا ليست مقصودة بالأصالة ، بل لأجل ما يظهر بها أو يتصور فيها من آيات الحقّ وجلايا وجهه على أن الزهد في الدنيا - على أيّ وجه كان - لا شيء محض ، لكون الدنيا لا شيئا محضا ، والعاقل لا يزهد في اللاشيء ،
وفي الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه بقدر جناح بعوضة ، ما سقى كافرا منها شربة ماء »
وفي القرآن :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
[ 3 / 185 ] .
ومدّة الحياة الدنيا بالقياس إلى دوام الآخرة كلحظة ، وسعة مكانها بالقياس إلى مكان الآخرة كذرّة
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
في الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله : « ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أحدكم غمس إصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع »
فترك هذا القليل واجب وليس بزهد في الحقيقة ، وإنما ورائها عالم آخر بل عوالم أخرى - إليها رجعي الطاهرات من النفوس
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
[ 17 / 21 ] .
فمن أراد أن يعرف عظمة اللّه وعظمة أسمائه الحسنى - التي يكون عالم الآخرة ظلالها ، وهذا العالم ظلال ظلالها - ويجد من رحمة اللّه نصيبا أكثر وحظّا أوفر فليزهد عن الآخرة ، وليزهد عن الزهد فيها أيضا ، حتى يخوض لجّة الوصول ، ويخلص عن نفسه وقلبه بالكلية ، وقيل : الزهد في الدنيا يريح النفس ، والزهد في الآخرة يريح القلب ، والإقبال بالكلية إلى اللّه يريح الروح .
واعلم أن العوالم والنشآت الوجودية بمنزلة طبقات بعضها محيطة ببعض والسالك إذا صعد من عالم وولج في عالم آخر ، كان كأنه مات من الأول ، وتولّد في الثاني ،
قال عيسى عليه السّلام : « لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرّتين » .
هامش
( 1 ) - الجامع الصغير : 2 / 131 .