ومن هاهنا يعلم أن الكواكب - وهو صورة الطبع والحسّ التي هي أول النشآت الحيوانية - والقمر - وهو صورة النفس التي هي أول درجات الإنسان السالك - والشمس - وهي صورة العقل التي هي آخر منازل عالم الإمكان - إشارة إلى صور العوالم الثلاثة ، كان السالك في أول سلوكه في واحد منها بحسب رغبة النفس وهواها ثمّ مات عنه اختيارا ودخل في الثاني ، ثمّ ماتت رغبته عنه ودخل في ملكوت السماوات لقوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
[ 6 / 75 ] ثمّ ماتت رغبته عن الكل بقوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ 6 / 76 ] وفنى عن نفسه بربّه ووجّه وجه ذاته لفاطر سماوات العقول وأرض النفوس ، حنيفا عن آثام الوجود والهويّة ، مسلما حقيقيا موحّدا له تعالى من غير إشراك لغيره ، وإن كان هويّة السالك وهواه التي ما زالت هي المعبود أصالة في كل عبادة ومحبة لغير اللّه ، كما دلّ عليه قوله :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ 25 / 43 ] فصار الحقّ عند ذلك الفاعل والغاية له في كل فعل وسعي وحركة ، وانعزل مبادي حركاته من القوى المدركة - كالسمع والبصر - والمحرّكة كاليد والرجل ، سواء كانت داعية أو فاعلة .
فله حينئذ أن يقول :
إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ 6 / 162 ] وله أن
يقول « 1 » : « من رآني فقد رأى الحقّ »
حيث صار الحقّ سمعه وبصره ويده ورجله - كما في الحديث المشهور - لظهور الحق في مرآة قلبه .
وإليه الإشارة في قوله تعالى :
رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
[ 66 / 8 ] وقوله تعالى
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[ 66 / 8 ]
وفي الأدعية النبوية « 2 » « اللّهم
هامش
( 1 ) مضى في ص 421 .
( 2 ) جاء ما يقرب منه في البخاري : كتاب الدعوات باب 9 : 8 / 86 : راجع أيضا المعجم ( نور ) 7 / 20 .