الرياح - وكان على كل شيء مقتدرا - وهذه صفة أرباب الملك وأصحاب الدنيا . ومن ركن إلى العقبى ومال إليها أحرقه اللّه بناره ، فصار ذهبا خالصا ينتفع به ، وهذه صفة أهل الآخرة وأرباب الملكوت وأصحاب الجنّة ومن ركن إلى اللّه ومال إليه أحرقه اللّه بنوره فصار جوهرا فريدا لا قيمة له ، ودرّة يتيمة لا مثل لها في الدنيا والآخرة ، وهذه صفة أهل اللّه وأحبّائه وأوليائه .
وقد أشرنا لك أن العوالم والنشآت ثلاثة : عالم الحسّ والدنيا ، وعالم الغيب والعقبي ، وعالم القدس والمأوى ، والمسافرين ثلاثة أصناف : صنف يسافر في الدنيا ورأس ماله المتاع والثروة وربحه المعصية والندامة ، وصنف يسافر في الآخرة ورأس ماله العبادة ، وربحه الجنّة ، وصنف يسافر إلى اللّه تعالى ورأس ماله المعرفة ، وربحه لقاء اللّه .
واعلم أن المعرفة أصل كلّ سعادة ، والجهل أسّ كل شقاوة ، فإن سعادة كل نشأة وعالم ، هو الشعور بما فيه ، حتى أن الدنيا وما فيها - مع حقارتها وقلّتها وبطلانها - أنما ينال اللذّة فيها من كان أبلغ في الحواسّ ، وأقوى في المشاعر الحيوانية ، فإن كل لذّة هو نيل ما يلائم بشيء من حيث هو ملائم له ، والألم فقده أو نيل ما يضادّه .
فإذا كانت البهجة واللذة في هذه الدنيا الدنيّة ، منوطة بالمعرفة والشعور ، فما ظنّك بعالم الآخرة التي قوامها بالنيّات والمعارف ، ثمّ ما ظنّك بعالم القدس الذي هو معدن العقول ومنبع المعارف ، فعليك بالحكمة والمعرفة .
وأما الزهد والتقوى وسائر العبادات والرياضات فإنما هي كلها لإعداد الحكمة ومقدمة المعرفة وتصفية الباطن وتهذيب السرّ وتصقيل مرآة القلب عن الغشاوة والرين - حتى تصير مجلوّة يحاذى بها شطر الحق ويتراءى فيها
تفسير القرآن الكريم — صفحة 423
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٢٣