تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وعلى الثاني أن الموجود الحق بنفس هويّته إله للعالم ، لا بصفة زائدة على ذاته ، أي : صنعة الإلهية في الواجب ليست كصنائع ذوي الصناعات الإمكانية التي صانعيّتها إنما يتحقّق بشيء زائد على ذاتها ، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما - وهو النطق - ونكتب بالآخر - وهو صنعة الكتابة - وكذا النار تتجوهر بصورتها المخصوصة وتحرق بحرارتها ، وكذا الشمس تتذوّت بشيء وتضيء وجه الأرض بشيء ، ثم لا يكفي في هذه المبادي الفاعليّة الذات والصفة ، بل يحتاج مع ذلك إلى قابل وحركة ، حتّى يظهر منها آثارها ، لأن شأنها الإعداد والتحريك ، لا الجود والإفاضة ؛ وأما الإله المحض ، والجواد الحقّ فلا ينقسم بشيئين ، بأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر إلهيّته ، بل هو بذاته إله وبنفسه خلّاق ، وإلا لاحتاج في إيجاد صفة إلهيّته إلى الهيّة أخرى ، وهكذا حتى يتسلسل أو يدور وكلاهما ممتنع ، فهو اللّه بذاته ، هو الرحمن الرحيم بنفسه ، لا بصفة زائدة بها تحصل الإلهيّة . أما ارتباطه بما سبق فهو أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب المجيد أنّه يمزج هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض - أعني علم التوحيد ، وعلم الأحكام وعلم القصص - والمقصود من ذكر القصص إما تقدمة دلائل التوحيد وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف ؛ وهذا الطريق هو الأحسن في الهداية واللائق بالإنسان ، فإن الكلام في النوع الواحد كأنه ممّا يوجب له الملال ، فأما إذا وقع الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع فكأنه ينشرح به الصدور ويفرح به القلب وينشط به الذهن وينتعش الطبع ، فيصير به الكلام أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه ، وإذ قد تقدم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 40 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )