نعيم خليل اللّه عليه السّلام حين ألقي في النار ، فإنه عليه السّلام تعذّب برؤيتها وبما تعوّد في علمه وتقرّر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان ، وما علم مراد اللّه فيها ومنها في حقّه ، فبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصورة الناريّة في حقه ، وهي نار في عيون الناس ، فالشيء الواحد قد يتنوّع في عيون الناظرين » .
وغاية ما يتأتّي لأحد أن يقول في التفصّي عن هذا الإشكال : أن مراتب العذاب مختلفة بالإضافة إلى الآحاد ، فربّ عذاب يكون شديدا لأحد ضعيفا لغيره ، ومراتب الشدّة والضعف مختلفة باختلاف المشاعر والمدارك ، كما تجد هذه التفرقة في الأشخاص المعذّبين في هذه الدنيا ، بل ربّ عذاب لأحد يكون راحة ولذة لآخر ، كما ترى من اشتغال بعض الناس بأمور دنيّة ومناصب خسيسة يكون فيها غاية الألم والعذاب للنفوس الشريفة ، ومع ذلك يفتخرون بها ويباهون على غيرهم .
كيف لا - وجميع الشهوات واللذّات الدنيوية عند أرباب المعارف الإلهية يكون من قبيل الآلام والغموم ، ويكون مباشرتها والتلذّذ بها كمباشرة الكنّاسي والأتوني بالروث والسرقين وتلذذهم عن رائحتها ، كما أن تنفّر أكثر الناس عن العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية كنفر الجعل من روائح الورد .
ثم إن « العذاب » كما قد يراد منه المعنى المصدري - أي : التعذب - كذا يراد منه اسم ما يتعذب به كالنار مثلا ، وهذا غير مستلزم لذاك ، فالنصوص الواردة في الخلود في العذاب أيضا لو كانت مثل قوله تعالى :
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
[ 2 / 162 ] يمكن أن يأوّل فيها « العذاب » بالمعنى الاسمي لا المصدري ، وإن كان الثاني أظهر بحسب اللفظ .
ثم لا يذهب على أحد أن الكون في الجحيم غير مستلزم للعذاب الأليم ،