تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وأمّا المحققون الذين قطعوا بالعفو في حقّ البعض فقد تمسّكوا بنحو قوله عزّ من قائل :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ 4 / 48 ] وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بدّ من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل ، لأن العفو عن الوعيد مستحسن عند العقل ، والمعتزلة أيضا معترفون بأن العفو مستحسن عقلا إلا أنّ النقل لم يساعده - على زعمهم - فإهمال الوعد يكون بالضدّ « 1 » فترجيح الوعيد يوجب ترجيح الجانب المرجوح . وأيضا القرآن مملوّ من نحو قوله : « غفورا ، رحيما ، كريما » وكذا الأخبار في هذا المعنى يكاد يبلغ حدّ التواتر . وأيضا إنّ صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات - وهو الايمان - ولم يأت بما هو أقبح القبائح - وهو الكفر - فلا يهدمه ما سوى الكفر عن المعاصي . ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي : « إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنه كيف لا يهدم معصية سنة ، إلهي لمّا كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات ، كان مقتضى العدل أنّ الايمان لا يضرّ معه شيء من المعاصي » فإذا دلّت الآيات على الوعد والوعيد فلا بدّ من التوفيق بينهما ، فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثمّ إلى دار العقاب - وهو باطل بالإجماع - أو يصل إليه العقاب ثمّ ينقل إلى دار الثواب ويبقى هنالك أبد الآباد - وهو المطلوب .

المنظر الرابع في تقرير الإشكال في خلود العذاب بالنار لأهل النكال من الكفّار والجواب عن هذا السؤال حسب ما يتأتّى لأحد من المقال

اعلم أن في تعذيب اللّه بعض عباده عذابا أبديا إشكالا عظيما ، خصوصا عند
هامش
( 1 ) - اى : يكون غير مستحسنا .