أن الشيطنة المعنوية للأولى أبعد عن الحضرة الإلهية من السبعية والبهيمية بما لا يقدّر قدره . فالإنسان برسوخ الرذيلة النطقية يصير شيطانا مريدا - والشيطان الذي هو إبليس إنما كان أبعد الخلق عن اللّه تعالى ، وموضع اللعن هو إبليس ومظهر اسم « المضل » لأنه كان جبرئيل الأصل ، فبالجهل المركب انقلب عن كونه ملكا كريما إلى كونه شيطانا لعينا - وبرسوخ الرذيلتين الأخريين يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع ، وكل حيوان أرجى صلاحا وأقرب فلاحا من الشيطان ، ولهذا قال تعالى
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ * تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[ 26 / 221 - 222 ] وذلك لكونه أبعد عن قبول التغيرات والاستحالات ، بخلاف الحيوان لكونه أقرب إلى أفق ما يتغيّر ويستحيل فينجو عن العذاب .
فثبت مما ذكرنا أن ذنوب القوة النطقية ومعاصيها أعظم عند اللّه من ذنوب القوة الجسمانية ، وأما عند جمهور الناس حيث يكون نظرهم مقصورة على الأمور المحسوسة فالأمر بعكس ذلك ، ولهذا المعنى قال سبحانه في باب الإفك :
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
[ 24 / 15 ] .
فعلم مما ذكرنا فساد مذهب المعتزلة والزيدية القائلين بخلود صاحب الكبيرة مطلقا في النار ، وقد أشرنا سابقا أن ضربا من الكبائر التي توجب للنفس رذيلة نطقية راسخة أو يكون نفس تلك المعصية كاشفة عن ذلك - كصدور بعض المعاصي من بعض الناس في بعض الأمكنة والأزمنة ، مثل شيخ كبير السنّ في زمرة المنتسبين إلى العلم يباشر الملاهي والغنا عند جوار الروضات المقدّسات - فمثل هذه المعصية وإن كانت من ذنوب القوى الحيوانية إلا أنها دالّة على فساد الاعتقاد بحرمة الرسول وأولاده الأمجاد - عليهم عظائم التسليمات من الملائكة الجواد - فمنشأ الخلود في العقاب بالحقيقة ليس إلا رذيلة الناطقة كالكفر وما يوجبه .