الشر بكفره وغلطه وتغليطه ووسوسته ، فإن « الوهم » ما لم يتروّج الباطل في صورة الحق لم ينبض عرق الجاهليّة والقباحة في شيء من القوى ، فهو أول من قرع باب الكفر والإنكار والجحود والعناد والاستكبار ، ثم عمل بوفقه القوى العمّالة التي هي من توابعها ، كما قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
[ 14 / 29 ] .
وإنما عظّم اللّه تعالى أمر الأفعال القبيحة المنسوبة إلى المبدإ الإدراكي الوهمي ما لم يعظّم في قبائح أفاعيل القوى الغضبيّة كالقتل ، والشهويّة كالزنا وأمثالهما ، أو لا ترى أنه قد عظّم أمر الإفك في الوعيد ما لم يغلظ في غيره ، حيث قال :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ
الآية [ 24 / 11 ] فبالغ عليه بما لم يبالغ في باب الزنا ( الريا - ن ) وقتل النفس المحرّمة ، لأن عظم الرذيلة وكره المعصية إنّما يكون على حسب القوّة التي هي مصدرها فيتفاوت حال الرذائل في حجب صاحبها عن الحضرة الإلهيّة والأنوار القدسية وتوريطه في المهالك الهيولانيّة والمهاوي الظلمانيّة على حسب تفاوت مباديها ، فكلّما كانت القوّة التي هي مصدرها ومبدئها أشرف ، كانت الرذيلة الصادرة منها أردا أو بالعكس ، لأن الرذيلة مما يقابل الفضيلة ، فكلّما كانت الفضيلة أشرف كان ما يقابلها من الرذيلة أخسّ ، والإفك رذيلة القوّة الناطقة الوهمانيّة ، والزنا رذيلة القوة الشهويّة ، والقتل رذيلة القوة الغضبيّة فبحسب فضل الأولى على الباقين تزداد ردائة رذيلتها ودوام عقابها .
وذلك أن الإنسان إنما يكون إنسانا بالأولى وبها يكون ترقّيه إلى العالم العلوي وتوجهه إلى الجناب الإلهي ، وتحصيله للمعارف والكمالات ، واكتسابه