تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
للخيرات والسعادات ، وإذا فسدت بغلبة الشيطان عليها واحتجبت عن النور باستيلاء الظلمة ، ونزلت عن رتبة الأرواح إلى درجة الشيطان ، حصلت الشقاوة ووجبت العقوبة بالنار الكبرى ، وهو الرين والحجاب الكلي
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ 83 / 14 - 15 ] . ولهذا حكم على الكفّار بالخلود في النار في قوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
فبان دوام العذاب وخلود العقاب بفساد الاعتقاد ، دون فساد الاعمال ، فإن الصفات الناشية من الأعمال وإن كانت نفسانية إلا أنها كالعوارض ، والفساد في العارض للشيء يرجى زواله بخلاف سوء الاعتقاد في اللّه وحقائق الملكوت وانكار المعاد وانكار الأنبياء والأولياء ، والجهل بأحوالهم وطريقهم إلى الحق ، فإنه داخلة في قوام الروح كما قرّرناه ، والفساد في ذات الشيء وقوامه يوجب الهلاك ، وموت الروح بالجهل لا ينافي بقاء النفس المنكوسة لأجل خلود العقاب - كما هو التحقيق عند أرباب الحكمة الايمانية - . فرذيلة الناطقة النفسانية الإنسانية توجب خلود العقاب بخلاف رذيلة القوتين الباقيتين ، كما قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ 4 / 48 ] . وذلك لأن رذيلة كل منهما إنما تصدر بظهورها على القوة النطقية ، ثم ربما محيت بانقهارها وتسخّرها لك عند سكون هيجانها وفتور سلطانها باستيلاء غلبة النور وتسلّطها عليها بالطبع ، كحال النفس اللوامة عند التوبة والندامة . وإن فرض أنها بقيت في الإصرار وترك الاستغفار ، ولكن لا تبلغ رذيلتها مقام رذيلة الروح الذي هو محل معرفة اللّه ومناجاة الرب ، ولا تتجاوز حدّ الصدر ولا تصير الفطرة بها محجوبة والحقيقة منكوسة ، بخلاف رذيلة الناطقة ، ألا ترى