استعدادية بالقياس إلى كل صورة وصفة - وهذا أمر بيّن - ولهذا يتصور كل شيء - ولو بوجه ما - وينفعل عن كل شيء ، وذلك للطافته وصفاء جوهره وصقالة ذاته ومن هاهنا يكتسب الإنسان الصنايع ويتّخذ الملكات الصناعية كالكتابة والفلاحة والتجر وغيرها .
فإن كان ما يزاوله ويباشره من باب الأمور العقليّة كالتعقّلات والتصوّرات الروحانيّة والأفعال القدسيّة ويكون كثير المراجعة إلى اللّه تعالى بالتسبيحات والتقديسات والأوراد والأذكار وسائر الأمور المقرّبة إليه ، وكثير التفكّر في أمر آخرته وقيامه عند الحقّ ومثوله بين يدي اللّه ، وكثير التذكّر للموت والساعة ، وهكذا حاله مدّة مديدة إلى أن يشتدّ فيه هذه الصفة - فيحصل في نفسه الجوهر الصوري والنور الإلهي ، الذي ذكرنا إنه فعّال للمعقولات النوريّة والصور الأخروية الأفلاطونية التي ذهب إلى وجودها أفلاطن ومن تقدّمه من أشياخه الكرام ، وأنكرها من تأخّر من الحكماء الباحثين إلى يومنا هذا - وقد منّ اللّه علينا بفضله وإحسانه بمكاشفة هذه المثل النورية وأثبتناها في أسفارنا الإلهية .
وإن لم يكن كذلك ولم تبلغ نفسه إلى هذه المرتبة فلا يخلو إما أن يكون كثيرة التأثير والانفعالات من اللذّات الدنيوية ، شديدة الاشتغال بالأفعال الشهوية والغضبية من محبة المال والجاه ، ومحبة الترفّع على الناس ، والتكبّر والاستطالة على الخلق ، والشهرة عند الناس ، والركون إلى الدنيا والإخلاد إلى الأرض وغير ذلك من الأفعال الحيوانية التي بعضها شهويّة وبعضها غضبيّة .
فإن ( فمن - ن ) كان الغالب عليه مباشرة الأفعال الشهويّة توجب أن تحصل للقوة القابلة النفسانية صورة بهيمية مشتاقة إلى فعل الشهوات دائما ، سواء كانت آلات الشهوات موجودة معها أو مفقودة بالموت .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 299
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٩٩