وإذا نظرت إليها بحسب نسبتها إلى الوجود الروحاني فوجدتها قوة محضة وفاقة صرفة لا رتبة لها عند سكّان عالم الغيب وعالم الآخرة ، نسبتها إلى الصورة الأخروية نسبة البذر إلى الثمار ، والنطفة إلى الحيوان ، فإن البذر بذر بالفعل ثمرة بالقوّة ، والنطفة نطفة بالفعل ، حيوان بالقوّة ، والبذر ليس ثمرة ، والنطفة ليست حيوانا إلا بضرب من المجاز ، فالعقل الهيولاني لا وجود له في عالم الآخرة ما لم يحصل له جهة فعلية روحانيّة ، ولهذا ذهب بعض الحكماء إلى بطلان النفوس الخالية عن العلوم بعد بوار البدن وخراب الدنيا .
فحال البصيرة الإنسانية كحال البصر ، ومنزلتها بالقياس إلى ما يفيد وجودها بالفعل وإلى ما به يحصل ( يحصل العالم - ن ) بالفعل - بعد أن كانت بالقوّة - منزلة الباصرة بالقياس إلى جوهر الشمس والنّور الذي يفيده ويصير مبصرة بالفعل ، ومدركاتها من الألوان مرئيّة بالفعل بعد أن كانت هي رائية بالقوّة .
إذ كما أن البصر ليست في ذاتها كفاية في أن تصير مبصرة بالفعل ، ولا في ذوات الألوان ( الأنوار - ن ) كفاية في أن تصير مرئيّة بالفعل ، بل الشمس تعطي البصر ضوءا وتعطي الألوان ضوءا بذلك الضوء صارت هي مبصرة بالفعل والألوان مبصرة بالفعل ، فكذلك إشراق الروح القدسي المسمى عند الحكماء ب - « العقل الفعال » وعند أئمة الفرس ب « روان بخش » تفيد العقل الهيولاني والصورة الهيولانيّة المخزونة في الخيال نورا روحانيّا ، منزلته من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر ، وبه يعقل الأشياء التي كانت معقولة بالقوة .
واعلم أن القوّة في باب العاقلية والمعقولية - كسائر الأشياء التي تكون بالقوّة - قد تكون بعيدة وقد تكون قريبة ، فالبعيدة في العاقليّة كما في العقل الهيولاني الذي هو جوهر متعلق بالمادة المحسوسة ، وفي المعقولية كما في الصور النوعية المادية التي من شأنها أن تصير معقولة للإنسان ، وأمّا القريبة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 296
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٩٦