أما ترى الحديد الحامية كيف تحصل له من تكرر التسخّنات بالنفاخات صورة ناريّة وقوة مسخّنة تفعل التسخين لذاتها وتشابه فعلها فعل الصورة النارية ، فلا تتعجب من نفس حصل فيها لكثرة التشبّهات بالمبادي الإلهية وتكرّر صدور الأفاعيل الروحانية منها نور قدسىّ وصورة عقليّة تعقل المعقولات ، كما يحصل في الحديد المذاب قوة ناريّة تفعل فعل النّار ، لكثرة مجاورته وعكوفه على باب النار .
وهكذا حال النفوس المتألّهة في عكوفهم على باب اللّه ومواظبتهم على أفعال يشبه أفعال اللّه من الشفقة والعطوفة والرحمة على خلق اللّه ، ودعاء الخير على كل ذي روح ، والترفّع عن ( على - ن ) الجسمانيات ، والطاعة للّه ولرسوله ولاولى الأمر من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام ، كل ذلك تشبّها به وتخلّقا بأخلاقه ، كما
ورد في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « تخلّقوا بأخلاق اللّه »
حتى يحصل لهم بكثرة التعلقات ( التعقلات - ن ) وتكرّر المشاهدات مبدأ صوري في نفوسهم ، وقوة عقليّة مشرقة بنور اللّه هي مبدأ أنوار المعقولات ، وفعّال صور المعلومات .
وبالجملة كلّ جوهر له قوّة واستعداد لحصول أشياء مختلفة ، فبحسب كثرة الانفعالات حصلت له من نوع صفة يحصل فيه صورة جوهرية هي مبدأ تلك الصفة ، أو لا ترى أن كثرة مجاورة النار وتكرّر التسخينات توجب للحطب وغيره صورة نارية تفعل فعلها ، وكذا كثرة مجاورة الأرض يجعل الشيء ترابا صرفا يفعل فعل التراب ، وهذا مما لا شبهة فيه وخصوصا إذا كان الأمر المجاور « المشبه » ذا قوة استعدادية سهل القبول والأمر المجاور له « المشبّه به » ذا صورة قويّة التأثير كالحطب اليابس في مجاورة النار .
فإذا كان كذلك فلا شبهة في أن النفس الإنسانية في أول الفطرة قوّة قابلة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 298
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٩٨