وإن كان الغالب عليه مباشرة الأفعال الغضبية - من الانتقام والترفّعات - تحصل للنفس صورة غضبية ظلّامة نازعة إلى فعل الجفاء والظلم والجور والعنف - سواء كانت قادرة على ذلك أم لا - وعلى كلا التقديرين لا يخلو إما أن يكون في نفسه شوق إلى العقليات واستعداد نحو الكمال والخير - مع جحوده للحق وإنكاره للحكمة - أم لا .
فإن كان الأول فهو أشدّ عذابا وأعظم مصيبة وأدوم ايلاما ، لوجود الهيئات المضادّة للحق في نفسه ، والفريقان جميعا من أهل النار وأصحاب الجحيم - كما مرّ ذكره غير مرّة - وذلك لاحتجابهم عن العالم الأعلى بمباشرة أهل النار ومزاولة أفعال أصحاب الجحيم واكتساب هيئاتها السوأى آنا فآنا ، فانقلبت نفوسهم وانتكست رؤوسهم إلى أقفيتهم وصارت نفوسهم صورا حيوانية ، بل أضلّ سبيلا من الأنعام باكتساب الصفات ( الصور - ن ) الشيطانية ، فصارت شياطين مردودين مطرودين عن أفق الملائكة المقدّسين ، فبقت في غصّة وعذاب مغلولة مقيّدة بسلاسل التعلّقات تلدغها عقارب الهيئات ما دامت السماوات .
وكانت قد ناداها الحقّ فتغافلت ، وأسمعها الرسول فتصاممت ، وناصحها الأئمة عليهم السّلام فعاندت وعزّت عن أمر ربّها فاطفئت نورها ، فحلّ عليها غضب الحقّ ، فهوت إلى درك الشقاء مهوى الأشقياء ، فصاروا في ظلم الجحيم صمّ بكم عمي ، وقيل فيها :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[ 20 / 124 - 126 ] ومن أعظم الألم
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ 83 / 15 ] وقد
رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ 83 / 14 ] وأحاطت بهم خطيئاتهم
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ 29 / 54 ] فهم
فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ 4 / 145 ] متقاعدون