تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ونحن قد حقّقنا في مباحث الماهيّة ولواحقها أنّ حقيقة كلّ شيء هي صورته التي بها هو هو ، والمادة إنما تحمل ماهيته إذا كانت ضعيفة الوجود في هذا العالم الأصل الذي فيه دثور الأشياء وعجزها وضعف صورها لأجل علوق الموادّ والظلمات ، وبيّنا أيضا بالوجوه الكشفية والبرهانيّة أن للأشياء التي تكون في هذا العالم نشأة ثانية ونحوا آخر من الوجود ، وأن للصور النوعية عالما آخر يكون وجوداتها في ذلك العالم مستغنية القوام عن المواد العنصريّة ، بل قائمة بذواتها موجودة بوجود فاعلها ومنشئها ومبقيها - لا بوجود قابلها ومبليها ومفنيها . وذلك الوجود الأخروي على ضربين : لأن تلك الصور إمّا عقليّات صرفة ومفارقات محضة مجرّدة عن المقدار والشكل ، وإما صور مقداريّات : فالأولى لكونها نورانيّة محضة تدرك بالعقول الصافية - وهي جنّة المقرّبين . وأمّا الثانية فلكونها تدرك بالحواس الأخروية الباطنيّة من السمع والبصر والشمّ والذوق واللمس الأخرويات - التي هي بواطن هذه الحواس الأوليات ، لأنها باقية بعد الموت وهذه فانية ، كما يدل عليه قوله تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ 50 / 22 ] فبعضها نورانية - هي جنّة السعداء من أصحاب اليمين - وبعضها ظلمانية - هي جهنم الأشقياء من أصحاب الشمال - . وجمهور الفلاسفة والمتكلمون وأكثر علماء المذاهب ذاهلون عن هذين العالمين ، وفي الذهول عنهما ضرر عظيم بالإنسان ، وفي الجهل بهما حجاب كثيف وغطاء غليظ له عن كشف معارف الايمان وحقائق القرآن . هذا - ولنرجع إلى ما كنّا فيه من أن الإنسان قد اصطحبت في عالمه و