أو لا ترى أن الزبانية ليسوا معذّبين بالنار مع كونهم فيها ، وهم تسعة عشر قبيلة ، من ملائكة العذاب الذين إذا قيل لهم :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
[ 69 / 31 ] ابتدروه سراعا ولم ينظروه ، ولكلّ منهم أعوان وخدم من سدنة جهنّم ؛ من دون أن يتعذّبوا بها وفيها ، بل فيها نعيمهم وبهجتهم ، وبمباشرة ما أمرهم اللّه به حصلت سرورهم ولذتهم ، لكون ذلك غايتهم وفائدتهم من تعذيب المجرمين وأخذهم وتصليتهم الجحيم ، وسقيهم ماء الحميم وشرب الهيم .
البصيرة الثامنة في الكشف عن صيرورة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها ، بمزاولة أفعال الأشرار واكتساب ملكات الكفّار والفجّار ، من الأعمال الشهويّة والغضبيّة والشيطانية ، التي هي من صفات البهائم والسباع والشياطين
قال اللّه تعالى :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
[ 5 / 60 ] وأشار بقوله :
جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
أنّهم مسخوا عن الفطرة الأصلية ، وانسلخوا وانقلبوا كل طائفة منهم إلى نوع ما غلبت فيها صفات ذلك النوع ، حتّى صارت حقيقتها حقيقة واحدة ( حقيقته - ن ) وصورة ماهيتها صورته .
وهذا معنى اللعن والطرد والغضب عند العرفاء ، أي : صيرورة النوع الشريف نوعا خسيسا ، ولهذا قال سبحانه :
أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
أي : عن طريق الحق ، لأن القردة والخنازير إنما كانت ضالّة عن طريق طلب