الحق لعدم الاستعداد ، وأمّا هؤلاء الذين انسلخوا عن الفطرة فإنّهم كانوا مستعدين ( كأنهم - ن ) لطلب الحق وسلوك سبيله ، فهم شرّ مكانا كما قال :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[ 8 / 22 ] وأضلّ سبيلا لابطال الاستعداد للوصول ، كما قال :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
.
وتحقيق هذا المقام إن كل انسان - بحسب الفطرة - روحه التي هي من عالم القدس والخير والرحمة قابل للسّعادة الأبديّة ، وإنّما ينسلخ عن هذه الفطرة بحسب أعمال قوى يخصّه : قوّة الشهوة ، وقوّة الغضب ، وقوّة الوهم المنازعة للقوّة العاقلة للروح مع كونها خادمة لها ، خلقها اللّه تعالى لأن يستعملها الروح في طريق سفرها إلى اللّه تعالى لتحصيل المراد للمعاد باستخدامها .
أما الشهوة فلجلب ما يتغذى به وينفعه لحفظ البدن الذي بمنزلة المركب لسفرها .
وأما الغضب فلدفع ما يضادّه ويمانعه ويقطع طريقها .
وأمّا الوهم فلتحصيل العلوم الضروريّة والحدود الوسطيّة التي يتوقّف عليها كماله ، وذلك الكمال معرفة نفسه التي هي أمّ الفضائل ومعرفة مبدئه الذي منه بدو وجوده ؛ ومعرفة اليوم الآخر الذي غاية رجوعه ، ومعرفة الملائكة والرسل صلوات اللّه عليهم ، الذين هم وسائط جوده ، ومعرفة كتب اللّه والأئمة الطاهرين المهديّين - سلام اللّه عليهم أجمعين - العارفين بحقائق التنزيل وأسرار التأويل ( والاسرار - ن ) التي هي واسطة كمال وجوده .
وقد أشار النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى هذا المعنى
بقوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين ، كتاب اللّه وعترتي » « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع أسانيد الحديث في ملحقات إحقاق الحق : 9 / 309 إلى 383 .