فالمعقول ما يحكمه العقل ببرهان عقلي ، وهذا ميسّر لكل عاقل بالدراية وبالقراءة والرواية ، فمن صفى عقله عن شوب الوهم والخيال فيدرك المعقولات بالبرهان دراية ، ومن لم يصف عقله عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءة بتفهّم أستاذ مرشد .
فأما الحكمة الإلهية فليست من هذا القبيل ، فإن العقول عن دركها بذواتها محتجبة ، والبراهين العقلية والنقلية عنها محتسبة ، فإنها مواهب الحقّ ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلّى صفات الأحديّة وفناء أوصاف الخلقيّة ، فيكاشف الأسرار بحقائق معاني أورثتها تلك الأنوار ، كما
قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » « أوتيت جوامع الكلم »
أي : الحكم ، فأمارة صحّتها معادلتها بحقائق القرآن ، بل هي عينها كما
قال صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : « أوتيت القرآن وما يعدله »
أشار بهذا إلى الحكمة .
وقد فسّر سهل بن عبد اللّه التّستري « 3 » « الحكمة » وقال في تأويلها : « هي السنّة » فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات يؤيّد اللّه به عقل من يشاء من عباده فيكون له كما قال تعالى :
نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
[ 24 / 35 ] فمن أكرم بهذا النور فقد أعطي كلّ حبور وسرور ، وأوتي جوامع الحكمة خيرا كثيرا ، كما قال تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ 2 / 269 ] .
فافهم واغتنم واجتهد أن تتيقظ به ، لتكون من ذوي الألباب ، لأنه قال :
هامش
( 1 ) كنز العمال : كتاب الفضائل ، الفصل الثالث : 11 / 440 .
( 2 ) في المسند : ( 4 / 131 ) ( ألا انى أوتيت القرآن ومثله معه ) .
( 3 ) سهل بن عبد اللّه التستري كنيته : أبو محمد ، أحد أئمة الصوفية وعلمائهم في القرن الرابع راجع : طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمى : 206 وحلية الأولياء 10 / 189 .