البصيرة السابعة في توضيح القول بأن المنافقين أسوء حالا وأشدّ عذابا من الكافرين ، وأن كان هؤلاء أخسّ رتبة وأدون منزلة منهم
اعلم أن الجهل المركب لكونه صفة وجوديه يصحبها العدم له نوع رتبة ، وأما الجهل البسيط لكونه صفة عدميّة منزلته منزلة الأعدام ، والعدم شرّ محض بالذات والوجود الذي يصحب العدم شرّ بالعرض مشوب بالخير ، فبالنظر إلى الواقع لا شرّ ولا خسّة أبلغ مما يكون الشيء عدما أو معدوما ، وأما بالنسبة إلى من يتعذّب ويتألّم بالأمر المؤلم الوجودي ففقده عنه أولى من ثبوته له .
فشرارة المطرودين في الأزل وإن كان أعظم - لكونهم أبعد من منبع الخير والجود ، وأوغل في الشرّ والمصيبة ، وأدخل في العدم والخسّة والجهالة - إلا أنهم لا يحسّون بما يؤلمهم ولا يجدون شرّية ما يوبقهم ويعذبهم ، لعدم صفاء نفوسهم وفعليّة عقولهم كالعضو الميّت أو المفلوج والخدر بالنسبة إلى ما يجرى إليه من القطع والجرح والكيّ وغيرها من الآلام .
وأما المنافقون فلثبوت استعدادهم في الأصل وبقاء إدراكهم واستدعائهم للكمال في هذه الدار وتشوّقهم إلى العلوّ والاستكبار ، يجدون شدّة الألم باكتساب الأمر الموذي المؤلم ، فلا جرم كان عذابهم مؤلما سببا عما اكتسب قلوبهم من المرض العارض المزمن المؤلم الذي هو الكذب بآيات اللّه والجهل بالمعارف الربوبية ولوازم الايمان ، والكفر بحقائق القرآن مع دعوى الكمال بادعاء المعرفة بأسرار المبدإ المتعال وتهييج الفتن والعداوة والبغضاء بين الناس ، وتنظيم أمور الدنيا لأنفسهم خاصّة وانهماكهم في اللذات ، وملازمة أبواب السلاطين والحكّام لطلب الحطام والشهوات ، واحتجابهم بالمنافع الجزئية والمصالح