له بقوله :
آمَنَّا بِاللَّهِ
وذلك لأن محل الايمان هو القلب المصفّى والروح المجرّد بالرياضة والمجاهدة مع القوى المدركة والمحرّكة وصرفها في الأفكار القدسيّة والأنظار الحكميّة ، لا اللسان بفصاحة البيان وعلوم العربيّة وغرائب النكت في محاسن الكلام ، فإن الايمان متعلّق بعلم الحال لا بطلاقة اللسان في المقال
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ 49 / 14 ] .
ومعنى قولهم
« آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ »
ادعاء علم التوحيد وعلم المعاد ، الذين هما أصلان عظيمان من أصول الدين ، وأساسان كبيران من معارف الحق واليقين ، أي : لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق ، ولا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين والمعاد ، لأن اعتقاد أهل الكتاب في باب المعاد ليس مطابقا للحق .
وهؤلاء المنافقون قد غفلوا عن أن حقيقة الايمان باللّه واليوم الآخر ليس مما يتعلق بالأقوال ، بل هي مما أنعمه اللّه من الحكمة على من سدّ على نفسه باب وسوسة الشيطان ، وأزال عن ضميره الشكوك والأوهام ، ففتح على قلبه باب المعرفة والرحمة والرضوان ، وأفاض اللّه عليه أنواع كرامته عاجلا وآجلا فمن ذلك يفتح اللّه تبارك وتعالى بابا من خزائن حكمته وهي مختصة بمشيّته لا بمشيّة الخلق ودواعيهم ، وجمعهم أسبابها - من الكتب والأسانيد العالية من الأساتيذ - فإنه تبارك وتعالى يؤتى الحكمة من يشاء .
وظنّ قوم من الفلاسفة وأرباب البحوث والأنظار أنّ الحكمة تحصل بمجرد التكرار ، أم هي من نتائج الأفكار ، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات الإلهيات ، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر ، وبين المقبول والمردود .