المطلع السادس في توضيح الفرق بين محبة اللّه ومحبة الشيطان
اعلم أن المحبة نوعان بحسب المحبّ والمحبوب : محبّة هي من صفات الإنسان بحسب طبيعته البشرية - وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء - ومحبّة هي من صفات الحق - وهي من آثار الإرادة القديمة الإلهية التي اقتضت خلق العالم بما فيه ،
كما قال تعالى : « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لا عرف » .
وقال بعض الحكماء : « لولا عشق العالي لا نطمس السافل » فمن وكّل إلى محبته النفسانية تعلّقت بما يلائم هوى النفس من أصناف الأصنام التي ينحتها الشيطان ، ليسخر بها النفوس ويجعلها من جنوده المعادية المنازعة ( المتنازعة - ن ) لجنود الرحمان ، وجنوده أهل الدنيا المحبين لشهواتها وزهراتها سواء كانوا متسمّين ( متسلمين - ن ) بالإسلام أو بالكفر ، إذ لا فرق عند أرباب الحقيقة بين عبدة الأصنام وعبدة الدنيا .
فكما أن الكفّار بعضهم يحبّون اللات ويعبدونها ، وبعضهم يحبّون العزّى ويعبدونها ، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبّون الأموال ويعبدونها ، وبعضهم الأولاد ويعبدونها ، وبعضهم يحبّ غير ذلك ، كما قال سبحانه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
[ 2 / 165 ] .
ولهذا أعلم اللّه عباده عن فتنة هذه الأشياء وحذرهم عنها بقوله :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ 64 / 15 ] وبقوله :
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
[ 64 / 14 ] يعنى : فاحذروهم عن محبتهم ، لأن محبتهم ، يمنعكم عن محبّة اللّه ، وهو الحبيب وأنهم العدوّ ، لأنهم من توابع ما هو عدوّ بالأصالة