ومن هاهنا يعلم أن إبليس وإن كان أصله من الملك إلا أنه لم يكن إلا منافقا مغالطا جاهلا كافرا ، وما زعمه بعض الجماهير أن الشيطان كان من أعلم العلماء فكلامه مزيّف سخيف ، وكأنهم لم يفرقوا بين العلم والمغلطة ، ولا بين الحكمة والسفسطة ، وخصوصا على مذهب من يمنع الإحباط كما ذهب إليه أصحابنا الإمامية - رضوان اللّه عليهم - .
ومن الدلائل على سبق كفره قوله تعالى :
كانَ مِنَ الْكافِرِينَ
[ 2 / 34 ] ومما يؤيّد ما ذكرناه من أن إبليس كان كافرا في أول الأمر ما حكاه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول « الملل والنحل » « 1 » عن شارح الأناجيل الأربعة شبه مناظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود :
قال إبليس لعنه اللّه : إنّي سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق ، عالم قادر حكيم ، إلا أن لي على مساق حكمته أسئلة :
الأول أنّه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عنّي ، فلم خلقني ؟ وما الحكمة في خلقه إيّاي ؟
الثاني إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيّته فلم كلّفني بمعرفته وطاعته ؟ وما الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف ؟
الثالث إذا خلقني وكلّفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة ، فأطعت وعرفت فلم كلّفني بطاعة آدم والسجود له ؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص ؟ فإذ لم أسجد فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ، ولي فيه أعظم الضرر ؟
هامش
( 1 ) ما نقله ( ره ) مقتبس مما جاء في المقدمة الثالثة من مقدمات كتاب الملل والنحل .