الإضلال ، إلا أن نسبته إلى الملائكة المقربين نسبة الوهم إلى القوة العاقلة .
وكما أن وجود الوهم في العالم الصغير الإنساني منشأ الغلط والكفر والتغليط - إلا أنه ضروريّ الوجود في إدراك الجزئيات ، ويدفع ضرّه وشرّه بالحكمة والبرهان النيّر - فكذلك وجود الشيطان في العالم الدنياوي ضروريّ يوجب تعمير هذه النشأة الدنيوية ، ويدفع شرّه وضرّه بنور الإسلام وطاعة الشريعة الإلهية .
ومن هاهنا ينكشف لدى العاقل البصير أن منشأ الكفر ليس إلا محبّة الباطل ، ومنشأها ليس إلا ترويج الباطل في صورة الحق ، ولو نظر أحد بعين ( بنور - ن ) التحقيق إلى حال الإنسان عند محبّة كل ما يستلذه أو يعتقده أو يطلبه من الأمور الباطلة الزائلة - كالزنا ، وأكل مال اليتيم وقتل النفس المحرّمة ، وعداوة أولياء اللّه ، ومحبّة أعداء اللّه - فليس يجده في تلك الحال إلا زاعما - لغاية غروره - أن في ذلك كمالا وحقيقة ، ووجودا ودواما ، فما لم يعم ولم يصمّ عن مشاهدة بطلان المحبوبات الباطلة ودثور المرغوبات الزائلة لم يقدم على محبتها وطلبتها ومباشرتها .
فمبدأ جميع القبائح يرجع إلى ترويج الباطل في صورة الحق ، فالإنسان في هذا الترويج يتبع الشيطان وصار عقله مقهورا لوهمه عند ادعائه له في هذا الترويج والتدليس ، وكل من كفر باللّه وآياته فصار من أتباع الشيطان ، ومحبّيه في هذا التغليط من الوهم للقوة العاقلة لصيرورة عقله مذعنا لوهمه .
والوهم من جنود الشيطان ، لأن فعله الإغواء وتزيين الباطل وترويجه في صورة الحق ، وتابع التابع للشيء تابع لذلك الشيء والتابع للشيء محبّ له ، فثبت ما ادّعيناه من أن الكفر منشؤه ولاء الشيطان - بإضافة المصدر إلى المفعول - كما حقّقناه .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 254
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٥٤