فيكون له الحكم والغلبة في الإنسان ، فيتمكّن ويستوطن في قلبه ويجعله عشّا له .
فإن كانت الغلبة لحزب اللّه بعلامات يعرفها أرباب القلوب في أنّه خلق للجنّة لسابق التقدير وسابق القضاء ، فيكون اللّه متولّي أمره ومخرجه من الظلمات - التي هي الدواعي النفسانية بحسب فطرة النفس - إلى نور العرفان بتوفيق الطاعات وفعل الخيرات .
وإن كانت الغلبة لحزب الشيطان لكونه خلق للنار فيسرّ له أسباب المعصية لحكمة إلهيّة ومصلحة قدريّة يعرفها أهل اللّه ، فيكون الشيطان وجنوده أوليائه وأحبائه ومتولّي أمره ومخرجيه من النور الذي كان له بحسب فطرة الروح ، المشار إليه
بقوله صلّى اللّه عليه وآله : « كلّ مولود يولد على الفطرة »
« 1 » إلى الظلمات الدنياوية من الشهوات واللّذات ولا يرغبهم الطاغوت فيها ، لقوله تعالى :
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
[ 4 / 120 ] يعدهم بالتوبة ويمنّيهم بالمغفرة إلى أن يهلكهم بهذه الحيل وما يجري مجراها .
كل ذلك غير خارجة عن قضاء اللّه وقدره ، كما قال :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
[ 6 / 125 ] وقوله :
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ
[ 3 / 160 ] .
فهو الهادي والمضلّ ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، خلق الجنّة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، وعرّف الخلق - وخصوصا أوليائه - علامة أهل النار وأهل الجنة ، فقال :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ 82 / 14 ] .
ولمّا كان الغالب على أكثر الخلق جانب النفس والميل إلى الظلمات
هامش
( 1 ) مضى آنفا .