بعث برحمته الأنبياء صلوات اللّه عليهم لتزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها ، وتحلّيها بحلية أنوار الأرواح ليستحقّ بها جوار الحق وقربه في زمرة الأرواح المقدّسة ، فتزكيتها في إخفاء ظلمة أوصافها بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها ، وهذا مقام الأولياء مع اللّه يخرجهم من الظلمات إلى النور .
وبعث الشيطان إلى أوليائه - وهم أعداء اللّه - ليخرج أرواحهم من الروح الروحاني إلى الظلمات النفسانية ، بإخفاء أنوار أخلاقها في إبداء ظلمات أخلاق النفس عليها ليستحقّ بها دركة أسفل السافلين وغاية البعد عن الحقّ ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، يغفر المطيع بتنوير نفسه بأنوار الروح ، وتنوير روحه بأنوار الحقّ ، ويعذّب العاصي بعقوبة نفسه بنار دركات السعير ، وروحه بنار الفرقة والبعد
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
- من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر .
المطلع الخامس في تحقيق العلاقة العقلية والملازمة الذاتية بين الكفر وطاعة الشيطان كما يستفاد من هذه الآية
اعلم أن الشيطان - كما حقّقناه في كتاب المبدإ والمعاد - « 1 » جوهر مجرد الذات الجسماني خلقت ذاته من اللّه تعالى بتوسّط العقول الفعّالة لأجل جهة إمكانية ظلمانية ، وذاته وإن كانت شرّا محضا ، إلا أنها وجدت بتقدير اللّه لحكمة قضائية ومصلحة قدريّة ، فهو وإن كان من شأنه الغلط والتغليط ، والضلال
و
هامش
( 1 ) المبدأ والمعاد : ص 196 وما بعده .