بحسب روحه الذي هو من عالم النّور
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
بإفساد الاستعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى والطاغوت
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
[ 95 / 4 - 6 ] .
شكّ وتحقيق
ولك أن تقول : إن الإنسان بحسب أصل فطرته وأول خلقته لا يخلوا إما أن يكون نورانيا أو ظلمانيا ، فإن كان الأول فما معنى قوله تعالى :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
؟ حيث لم يكن في ظلمة أصلا - لا بحسب الواقع ولا بحسب الفطرة الأصلية كالمؤمنين الذين ما كانوا كفارا قط ؟ وإن كان الثاني فما معنى قوله تعالى :
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
؟
فنقول : اعلم انّ الإنسان لكونه مركّبا من عالمي الأمر والخلق فله فطرتان : إحداهما روحانيّ نوراني علوي من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى ، وثانيتهما نفس ظلمانيّة سفليّة من عالم الخلق ، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه . فقصد الروح وميله ورغبته وشوقه أبدا إلى عالمه وهو جوار رب العالمين ومصاحبة المقدسين ، وميل النفس وقصدها إلى عالمها وهو أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق .
وبين النفس والروح تجاذب وتنازع وتقالب وتقاوم ، كل منهما يريد أن يسخر صاحبه ويستخدمه ويستعبده في تحصيل مآربه ومطالبه .
ولكلّ منهما أولياء وجنود : فوليّ الروح هو اللّه ، وجنوده أحزاب الملائكة - وهي المعارف والأخلاق الحسنة والقوى الروحانية - ووليّ النفس الطاغوت ، وجنوده الجهالات والصفات الذميمة والقوى النفسانية ، والمحاربة والمطاردة قائمة بينهما في معركة القلب الإنساني إلى أن ينفتح القلب لأحدهما