معانيها في أذهانهم وقرائحهم بأبلغ وجه وآكده ، بخلاف البعض الآخر حيث تبلّدت أذهانهم وتعصّت عن قبولها ، كما قال سبحانه فيهم :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[ 2 / 7 ] وكذا قوله :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 2 / 6 ] وقوله مخاطبا للرسول صلّى اللّه عليه وآله
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ 28 / 56 ] .
فهذا التفاوت في الفهم والذكاء بين النفوس على هذه الغاية - التي هي أزيد مما بين الأرض والسماء ، حيث يكون منهم البليد الذي لا أفلح أبدا في فكره ، ومنهم شديد الحدس قويّ الذكاء إلى حيث تبلغ نفسا قدسيّة تعرف الأشياء كما هي في زمان قليل العدد - أيكون حاصلا بمجرّد التعلّم والكسب من غير تفاوت في أصل فطرة الجواهر ؟ أم بفيض إلهي قدري يجعل النفوس مختلفة الذوات صفاء وكدورة ، متفاوتة القلوب لطافة وكثافة ، لينا وقساوة ؟
لست أشكّ في أن أحدا من العقلاء لا ينكر هذا التفاوت الفطري ضميرا واعتقادا - وإن عاند لسانا وقولا - فإذا بطل أن يكون ذلك بمجرّد الكسب من غير مدخل لعناية اللّه في حقّ البعض دون الآخر فقد ثبت أنه تعالى هو الذي خلق الظلمات والنور ، والجنة والنار ، وخلق لكل منهما أهلا كما قال :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ 64 / 2 ] .
فإذا تحقّق هذا المقام بما ذكرناه من الكلام فلنشتغل بحلّ ما عقدوه ، والجواب عمّا ذكروه : أما عن الأول فمن وجهين :
أحدهما أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل ومجاز في الحثّ والترغيب ، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة ، على أنّ جواز اطلاق اللفظ في معنى لا يقتضي ثبوت ذلك المعنى ، فلا يصحّ التعويل عليه في المقاصد الاعتقادية ، وقد اشتهر