تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا
[ 18 / 13 ] الآية - نسبهم إلى الفتوّة لما خطروا بأرواحهم في طلب الحقّ وآمنوا باللّه وكفروا بطاغوت دقيانوس . فلما تقرّبوا إلى اللّه تعالى بقدم الفتوة ، تقرّب إليهم بمزيد العناية ، قال :
وَزِدْناهُمْ هُدىً
تحقيقا لقوله صلّى اللّه عليه وآله : « من قرّبني شبرا قرّبته ذراعا » « 1 » . فلما تنوّرت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنّت إلى ذكر اللّه وأنست به ، واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها وأحبّوا الخلوة مع اللّه ، فقال أكبرهم وشيخهم :
إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
[ 18 / 16 ] فأووا إلى الغار ليخلوا مع اللّه ويطلبوه . فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا اليه استقبلهم بجوده هرولة ، فبدّل أوصافهم بألطافه كما قال :
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
أي أفنيناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم ، و « النشر » هو الإحياء ، فأفناهم عنهم وأبقاهم به ، وهو الولاية التي تكرّم اللّه تعالى به خواصّ عباده ، إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده [ وجوده - ن ] بعد تربيتهم بالرفق ، وأنامتهم نومة العروس بعزل الحواسّ لتصفية القلب والفراغ بالكلّية إلى الحق عن الدنيا لئلا تتأذّى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب المجاهدة - وتقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال - أي : من صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين - وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لا يزاحمهم بدواعي الحيوانيّة ، حتى تمّت مدة تربيتهم في تبديل أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية .
هامش
( 1 ) في البخاري : ( كتاب التوحيد : 9 / 148 ) « من تقربت إلى بشير تقربت اليه ذراعا » وفي المسند : ( 5 / 153 ) « من اقترب إلى شبرا اقتربت اليه ذراعا » . راجع المعجم ( تقرب ) : 5 / 354 .