ومن علامة هذا المقام - الذي يصل إليه خلّص عباد اللّه الكرام - ما أظهره اللّه عليهم للاحترام ، هيبة من آثار صفات جلاله كما قال سبحانه :
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
[ 18 / 18 ] وعداوة علماء الدنيا لأهل اللّه والعرفاء وغيظهم إنّما تنشأ من غاية ما وجدوا من الهيبة والجلالة فيهم ، ولهذا ملئوا ( لملئوا - ن ) منهم غيظا كما ملئوا رعبا .
المعراج الثالث في إتقان القول بأن اللّه تعالى هو المبدأ الفعال في إخراج النفوس الإنسانية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور المعرفة والكمال ، ودفع شبهة المنكرين والجهّال
أجمع المفسّرون على أنّ المراد هاهنا من « الظلمات والنور » هما « الكفر والايمان » وما يجري مجراهما من اللوازم والملزومات ، فتكون الآية صريحة في أنّ اللّه تعالى هو الذي أخرج الإنسان من مرتبة الكفر - الذي هو ضرب من الجهل - وأدخله إلى مرتبة الايمان - الذي هو ضرب من العلم - .
والبرهان العقلي عليه هو أن الإنسان في مبدأ الفطرة خالية عن العلوم كلها ، ثمّ قد يصير مؤمنا بالحقائق الربّانية ، عالما بالمعالم الإلهية ، ولا شكّ أن كل ما يخرج من القوّة إلى الفعل بحسب الكمال العلمي فلا بدّ له من سبب يخرجه منها إليه ، وذلك السبب إما أن يكون كاملا في ذاته ، عالما بالفعل من غير قصور ، أم لا يكون كذلك - بل كان عالما كاملا بعد ما لم يكن - .
فإن كان الأول : فهو إمّا واجب أو ممكن ، فإن كان واجبا فهو المطلوب وإن كان ممكنا : فسببيّته لتكميل هذا الإنسان إما بحسب حقيقة ذاته ( حيثيته الذاتية - ن ) الممكنة ، أو من جهة إفاضة الواجب تعالى نور العلم والكمال