قلت : فائدتهما بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين ، الذين جعل اللّه بعثهم وإنزالها سببا وواسطة لاهتدائهم .
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
[ 79 / 45 ] كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح .
وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم ، فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
[ 9 / 125 ] غاية ذلك إلزام الحجّة وإقامة البيّنة عليهم ظاهرا
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ 4 / 165 ]
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
[ 20 / 134 ] وهو في الحقيقة للنفي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء .
أقول : فيه وجه آخر وهو أن لكل شيء بحسب قصده وغلبة الطبيعة أسباب وعلل بها يتوجّه إلى حيّزه الطبيعي ومعاده الأصلي ، فمن الأسباب المؤدّية للأشقياء إلى درك الشقاء ، وهي بعينها الأسباب التي تسوق السعداء إلى الدرجات العلى مثل إرسال الرسل وإنزال الكتب .
فإن هذين الأمرين - الإرسال والإنزال - كما يوجبان ظهور ما يكمن في النفوس الشريفة - من آثار الكرامة والعلم والمروّة والتقوى والصفات الحسنة والأفعال الجميلة - فكذلك موجبان للنفوس الخبيثة ظهور ما يكمن فيها - من الحماقة والجهالة وحبّ الدنيا والشهوات - فيوجبان للنفوس الخبيثة زيادة في جحودهم واستنكارهم وشدة في غيظهم واستكبارهم .
أما ترى أن بالوعظ والنصيحة ينكشف ويظهر من حال قساوة بعض القلوب التي هي كالحجارة أو أشدّ قسوة ما لا يظهر قبل ذلك ، فعند سماع الآيات يستحكم لكل من القبيلتين ما هو مركوز في جبلته من الصفات - إن خيرا فخير وإن شرا فشر .