وأما على طريقة أهل التصوّف فبأن للّه تعالى في ذاته وفي عالم إلهيّته شئونا وحيثيّات مسماة بأسماء وصفات - كما يعرفه أهل اللّه لا على وجه يقدح في أحديته الحقّة - وهو سبحانه مع تلك الشؤون والحيثيّات مبدأ للكل وعالم بالأشياء وقادر على جميع الممكنات ، ولو خرج شيء من الأشياء من علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئيّة الكل ، وهو مع ذلك منزّه عن فعل القبائح والشرور ولكن لا بالوجه الذي بلغ فهم المعتزلة إليه ، وإلا لناقض كونه مبدءا للكل ، وفي كونه مالك الملك .
بل الوجه أن يقال : وجود العالم بجميع أجزائه وأفراده المتكثّرة والمتخالفة على هذا الوجه المشاهد ظلال لأسمائه المتعدّدة المتخالفة ، على وجه كالأول والآخر والظاهر والباطن ، ولكلّ منها أثر خاصّ ومظهر ومعلول معين كالمبدع والكائن ، والمحسوس والمعقول .
وعلى هذا القياس فنقول : إن لله سبحانه صفتي « لطف وقهر » ومن الواجب في الحكمة أن الملك - ولا سيّما ملك الملوك - يكون هكذا ، إذ كلّ منهما من أسمائه الحسنى ومن أوصاف الكمال ، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلك كابر وعاند ، ولا بدّ لكل من هاتين الصفتين من مظهر .
فالملائكة ومن ضاهاهم من المؤمنين والأخيار مظاهر اللطف ، والشياطين ومن والاهم من الكفار والأشرار مظاهر القهر ؛ ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها ، ومظاهر القهر هم أهل النار والأعمال المعقّبة إياها .
فخلق اللّه تعالى للجنة خلقا يعملون بعمل أهل الجنة ، وللنار خلقا يعملون بعمل أهل النار .
فكما أن وجود كل من صفتي اللطف والقهر مما لا بدّ فيه فكذا لا بدّ من وجود مظاهر كل منهما بحسب كل مرتبة ، وكما لا اعتراض لأحد عليه تعالى
تفسير القرآن الكريم — صفحة 233
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٣٣