الكثرة والتغير والتفنّن في الإفاضات والاختلاف في النسب والإضافات - أن وجوده عامّ ورحمته شاملة للكلّ على نسق واحد ، أعطى كلّ ذي حقّ حقّه وأفاض على كل قابل ما يستحقّه ، فلو كانت لمادّة البصل - مثلا - قوّة قبول الزعفران ولنطفة البقر قبول صورة الإنسان لما ترك الواهب الأشرف الأفضل ، وما فاض عليهما البقر والبصل .
فإذا تقرر ذلك ، فولاية اللّه تعالى إن تعلّقت بالمؤمنين قبل قبولهم دعوة الايمان ، واستكمالهم بالعلم والعرفان ، فإن ذلك ترجيح من غير مرجّح ، وإن كانت بعده يلزم الدور لكون الايمان مسبّبا عنها ، كما يفصح عنه قوله تعالى :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
لأن منشأ ايمانهم الذي هو عين تنوّرهم بنور المعارف وخروجهم إليه من ظلمات الجهل والعمى هو هذه التولية ، فلو كانت بعد الايمان يكون دورا بالضرورة .
وهذا الإشكال صعب الانحلال عند من يحذو حذو أهل الاعتزال - القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين في الأفعال ، واستحالة الترجيح من غير مرجّح - .
وأما الأشاعرة المجوّزون لإيجاد القبائح وترجيح أحد المتساويين فالأمر هيّن عليهم ، بل هم احتجّوا بهذه الآية على تصحيح مذهبهم ، وأن ألطاف اللّه تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، قائلين أن الآية دلّت على أنه تعالى وليّ الذين آمنوا على التعيين ، ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولّى لما سيكون سببا لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب لأجله ، كما قال اللّه تعالى :
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
[ 8 / 34 ] فجعل القيّم بعمارة المسجد وليّا له ، ونفى في الكفار أن يكونوا أوليائه .
فلما كان الوليّ : المتكفّل بالمصالح ، ثمّ إنه تعالى جعل نفسه وليّا للمؤمنين