تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الواجب بالذات ، مع أنا نجد من نفسنا أنّا نتحرّك إن نشاء ، ونسكن إن نشاء فكيف نكون مسخّرين ، والحال أن حركاتنا وسكناتنا بأنفسنا لا بغيرنا ؟ فنقول في الكشف عنه : إنّ حركاتك وسكناتك بمشيّتك ، إلا أن مشيّتك ليست بمشيّتك ، بل بقضاء اللّه وقدره - إذ لو كانت كذلك لافتقرت تلك المشيّة إلى مشيّة أخرى وهكذا إلى غير النهاية - فإذا لم تكن مشيّتك بمشيّتك فهي لازمة لك من أسباب قدريّة موديّة إليها ، فإذا لم تكن المشيّة إليك فمهما وجدت المشيّة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت ولا سبيل لها إلى المخالفة وإذا انصرفت لزمت الحركة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محركة ضرورة عند انجزام المشيّة ، والمشيّة تحدث في القلب بالأسباب الخارجية المشاهدة ، وهي تحدث بالأسباب الغائبة عنّا ، فهذه ضروريّات مترتّبة بعضها على بعض ، وليس للعبد أن يدفع وجود المشيّة ، ولا انصراف القدرة إلى المقدور ، ولا وجود بعث المشية للقدرة ، فهو مضطرّ في الجميع . ولا يتوهمن أحد أن هذا خلق الأعمال ، الذي ذهب إليه الأشاعرة ، القائلين بالجبر المحض من غير اختيار . فإن قلت : ما ذكرت أيضا جبر ، والجبر ينافي الاختيار ، فكيف يكون إنسان واحد مضطرا ومختارا ؟ قلت : لو انكشف لك الغطاء عن عين البصيرة بنور الاهتداء لعرفت أنك مجبور في عين الاختيار ، وتحقيقه يفتقر إلى تحقيق معنى الاختيار ، فاطلبه من كتب اولي الأبصار ، ليظهر لك ما يظهر لهم : أنه لا يتقدّم متقدّم ولا يتأخّر متأخّر إلا بالحقّ واللزوم ؛ فكل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب وحقّ لازم ، ولا يجرى في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر ولا لفتة ناظر إلا بقضاء اللّه وقدره وإرادته ومشيّته ، لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه
يُضِلُّ