فإن قال : وأنا منهم فإنّي لا أهتدي إلّا إلى عالم الشهادة ، ولا أعلم شيئا سواه .
فيقال له : إنكارك لما شاهدنا مما وراء المحسوسات ، كإنكار السوفسطائية للحواسّ الخمس ومحسوساتها ، فإنهم قالوا : « ما نراه لا نثق به ، فلعلّنا نراه في المنام » .
فإن قال : وأنا من جملتهم فإنّي شاكّ أيضا في المحسوسات .
فيقال : هذا شخص فسد مزاجه وامتنع علاجه فيترك ، فما كل مرض يقوي على علاجه الأطباء ولا كلّ داء له دواء ، بل رب داء أعيت الأطباء في تحصيل الدواء .
وأما الذي لا يجحد ، فإن كانت عينه التي يشاهد عالم الملكوت صحيحة في الأصل ، نزل فيها ماء أسود لاعتياده بملاحظة عالم الظلمات ، فيمكن الاشتغال بتنقيته - اشتغال الكحّال بالعيون الظاهرة - وإن كان غير قابل للعلاج - لكونه مختوما على قلبه - فلم يمكن أن يسلك فيه سبيل التوحيد العقلي ، بل يكلّم معه بكلام التوحيد ويكلّف بالتنطق بشهادة التوحيد ردّا لذروة التوحيد إلى حضيض فهمه ، وهذا هو التوحيد اللائق بحال القاطنين في عالم الشهادة ، فإن للتوحيد مراتب ، بحسب كل عالم مرتبة .
وتوحيد عالم الشهادة أن يعلم الرجل الجاسي أن المنزل يفسد بصاحبين ، والبلد يهلك بأميرين ، فيقال له على حدّ عقله الذي هو بمنزلة حسّ أهل العلم :
« إن إله العالم واحد إذ لو كان فيهما آلهة إلّا اللّه لفسدتا » فيكون ذلك هو اللائق بقدر عقله ، وقد كلّف الأنبياء أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم .
وأما الصفات الثبوتية :
فإن من يعلم أن الموجود الواجب نسبته إلى جميع الممكنات نسبة واحدة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 210
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢١٠