التحقيق الثالث في معنى الايمان باللّه
اعلم أن المراد به الايمان بحقيقة اللّه تعالى وحقيقة ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لقوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
[ 2 / 285 ] .
وأما الاعتقاد بحقيقة اللّه فهو الايمان بوجوده وصفاته وأفعاله وأحكامه .
أما الايمان بوجوده :
فهو أن يعلم أن وراء المتحيّزات ، بل الممكنات ، موجودا قديما قادرا - أي واجبا بالذّات صانعا للعالم - وذلك بالنظر إلى حقيقة الوجود المعلوم بوجه مّا ، وأنّ له فردا موجودا بذاته ؛ وإلا لزم تقدّم الشيء على نفسه ، أو وجود الممكن من غير سبب ، إذ جميع الممكنات في حكم ممكن واحد في خلوّ ذاته عمّا يوجب الاتّصاف بالوجود ، فبملاحظة خلوّ ذات الممكن وعريه عن طبيعة الوجود ذاتا واقتضاءا واستلزاما ، وملاحظة استحالة كون المحال قابلا للوجود ، يحكم العقل الصّافي عن المحذورات والأمراض النفسانيّة بوجود القيّوم المستغني عمّا سواه كما قال تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ 3 / 18 ] وكقوله :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ 41 / 53 ] .
وبالنظر إلى العالم وطبائع الحركات والمتحركات ودقائق الصنع العجيب والنظم الغريب في الممكنات كما أرشده اللّه في القرآن - وليس فوق بيان اللّه ورسوله بيان - فقال :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً
- إلى