تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
اعتقاد العبد وتصوّره وإثباته الوجود لغيره تعالى ، وإلا فليس لما سواه وجود في جنب وجوده تعالى حتى يتّصف بالعلوّ بالقياس إلى غيره ، نعم ، الإنسان يتصور بقوته الوهمية لنفسه وجودا مستقلا وبواسطة وجوده الموهوم يتوهّم ويعتقد للعالم وأفراده وجود مستقلّ يقيس إليها وجود الحقّ ، فيصفه بالعلوّ والعظمة ، ثم بقدر ما يظهر له قصور وجوده وضعفه وقصور الوجودات الإمكانية وضعفها يزيد في نظره علوّ الحق وعظمته ، ولهذا المعنى قيل : « إنّ ظهور الإنسان سبب خفاء الحق في هذا العالم » فبقدر انكساره وافتقاره ودثوره وفنائه يظهر له وجود الحق وبقائه وعلوّه وكبريائه . وقيل أيضا : إنّ هذا العالم عالم الخيال يتراءى فيها الأشياء على وجه الانعكاس والانتكاس ، فيرى المتبوع تابعا والتابع متبوعا ، والمستور ظاهرا والظاهر مستورا ، بل الموجودات معدوما والمعدوم موجودا ، فالحقّ موجود والخلق مفقود ، وفي الخيال يكون بعكس هذا ، وكذا الحقّ ظاهر جليّ والخلق مستور خفيّ ، وفي الحسّ بالعكس . فإذا أخذ الإنسان في النزول والنقصان والهبوط في منازل الإمكان ، وعاد قليلا إلى ماله بحسب ذاته من الخلل والفقدان ، استأنف للحقّ في شهوده علوا وعظمة وجلالا وكبرياءا ، ففي كل فناء يظهر عليه للحق بقاء ، وفي كل تواضع ينكشف عليه للرب تعالى كبرياء ؛ أو لا ترى انك تقول في انحناك بالركوع : « سبحان ربّي العظيم » وفي هويّك بالسجود : « سبحان ربّي الأعلى » وهكذا قليلا قليلا إلى أن يضمحل وجوده بالكليّة ويبقى الوجود الحقّاني للواحد القهار . ومن هاهنا يعلم أن قصارى مجهود العابدين والعارفين في عبادتهم وعلومهم ليس إلا تصحيح نسبة الإمكان وحفظ مرتبة الفاقة والافتقار والعجز والانكسار ، لئلا يبقى في شهودهم وجود للأغيار ، ولا يكون عندهم في الدار غيره ديّار ،