تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
الهاوية المظلمة ، أي نفس الفعل والقوّة والهبوط ، كما خرج من إطلاق العالي جسمية الأرض ومكانه الذي هو أسفل السافلين . وقد وصف اللّه هذه الأمّة المرحومة بالعلوّ المعنوي والمنزلة الوجودية فقال :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
[ 47 / 35 ] أي : في هذا العلوّ ، وهو سبحانه مقدس عن العلوّ المكاني ، فيكون المراد العلوّ الوجودي ، إذ موجودية الممكن إنّما تحصل بمعيّة الواجب تعالى معه - إمّا ابتداء أو بتوسط معيّته بالأشياء الاخر ، وهي العلل المتوسّطة بينه وبين المعلول الأخير - فإن معيّته تعالى بكل متقدّم في الوجود أقدم من معيّته إلى المتأخّر ، لكن المراد هاهنا من « المعيّة » ما يكون بغير وسط ، لأنه في مقام المدح . ووجهه أن الإنسان الكامل أعلى الموجودات ، لأنّه خرق ( قد خرج - قد خرج في - ن ) الوجود وسلك سبيل اللّه وأحاط بالكلّ وصارت مرتبته جامعة لجميع المراتب ، فله المعيّة الذاتية بالنسبة إلى الباري جلّ اسمه والعلوّ في المنزلة والمعنى ، فيكون فوق الكلّ ، فقد جمع له بالعمل العلوّ المكاني - لأن مكانه الجنّة وهو أعلى الأمكنة - وبحسب العلم - الموجب للإحاطة بالحقائق - المعنوي . والملائكة المقرّبون لهم العلوّ بحسب الرتبة ، لأنهم وسائط جود الحق ورحمته ، فقال لإبليس :
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ 38 / 75 ] لأنّ جوهر إبليس من الجواهر المتعلّقة بعالم الظلمات ، فمنزلته دون منزلة الأنوار العقليّة المرتفعة عن التعلق بغير الحق ، فلها السلطنة الكبرى على القوى المتعلّقة بالعالم الأدنى . فظهر أنّ الحق تعالى « على » لذاته ، لأنّ وجوده عين ذاته ، والإنسان الكامل « على » بعلوّ الحقّ تعالى .