فإذا علمت هذين الضربين من الفاعليّة ، وعلمت خصوصيّة كل منهما وامتيازه عن صاحبه بخواصّ ولوازم ، ظهر لك أنّ التعب والمشقة والإودة لا يعرض إلا لفاعل جسماني ، لا يفعل إلا بأن ينفعل ويتحرّك من حال إلى حال ، ويكون فاعليّته على سبيل المباشرة .
وأما الذي فاعليته لشيء بحيث إذا أراد أن يقول له : « كن » فيكون ، أي يكون مجرد إرادة الفعل منه مقتضيا لحصول فعله من غير أمر زائد يكون متوسطا بينه وبين فعله - كايجاده تعالى عالم الأمر - أو يكون الوسط حاصلا بأمره من غير مدخلية مادة واستعداد وحركة - كايجاده لجواهر السماوات والأرض بواسطة أمره - أو مع مدخليّتها - كايجاده حوادث الفلكية والأرضية بإفادة الأسباب وإفاضة الاستعدادات والحركات من غير تغيّر فيه تعالى ، وإليه أشار بقوله سبحانه :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
أي لا يتعبه إدامة جواهر ما في السماوات وما في الأرض - هذا إذا كان الضمير المفعول كناية عنه تعالى ، وأما إذا كان راجعا إلى « الكرسي » فالحكم بعدم عروض التعب والمشقّة ثابت للكرسي ، لأنّه بحقيقته وذاته من وسائل جوده تعالى وربّانيته وجهات كرمه ورحمانيته التي لا تبيد ولا تنقص أبدا فلا يلحق له مشقة وتعب ، وإذا لم يحصل له فاستحال حصوله للحق بالطريق الأولى .
وبالجملة كلّ ما هو علة لشيء بالحقيقة والذات - لا بحسب القسر للإعداد والاستعداد - فيكون المعلول من توابع ذاته ورشحات وجوده بمنزلة الظلّ للشخص ، فكما لا يثقل ولا يشقّ وجود الظلّ على الشخص واستتباعه إيّاه ، فكذلك المعلول بالقياس إلى ما هو علّة له بالذات ، وهذه الأسباب التي يظن الناس أنها علّة ، إنما يؤدها وجود ما ينسب إليها ، لأنها ليست عللا بالحقيقة ، بل بحسب المجاز ، وما هو علّة بالحقيقة لا يلحقه الفتور في تأثيره ، اللهم إلا أن