من العوالم ، من أحصاها - أي عرفها وعرف لوازمها وآثارها وبدايتها وغايتها - وجبت له الجنة ، وهي الكمال العلمي العرفاني ، أي العلم بحقائق الأشياء كما هي عليها الموجب لمشاهدة المثل العقلية والأشباح الجنانية الموعودة - إنشاء اللّه - جزاء لصالح العمل ومرضي السعي .
فكما أن عالم الجبروت من الملائكة العقلية - بجملة عددها الكثيرة وضروبها التي لا يحيط بها غير اللّه - هو عالم قدرة اللّه تعالى ومظهر جبّاريته ومستوى اسم « الجبار » كذلك « عالم الكرسي » بجملة ما فيها من ملكوت السماوات والأرض « عالم رحموته » ومظهر رحمانيته ومستوى اسم « الرحمن » إذ برحمته قامت السماوات والأرض ، فالكرسي صورة رحمانية اللّه تعالى على الخلائق وبها يعطف بعضهم بعضا بالترتيب الحكمي والنظم السببي والمسببي ، فلكل سبب خاص ، عطوفة ورحمة على مسببه بإيجاده وإقامته وحفظه وإدامته .
ثم اعلم أن العلة الفاعلية بحسب المشهور على ضربين : أحدهما الفاعل الذي يحتاج في فاعليته إلى حركة وآلة وقابل - كالكاتب والبناء - ومثل هذا الفاعل يقال له في عرف الإلهيين ب « المعدّ » و « المحرّك » وهي العلة بالعرض وثانيهما الفاعل الذي لا يحتاج إلى حركة وآلة جسمانية وقابل - وهو الفاعل في عرفهم - وإن سئلت الحقّ فليس الفاعل بالحقيقة إلا ما هو بريء بالكلية عن جهة الإمكان ، وما هو إلا الواحد الحق - كما مرّت الإشارة إليه .
فالفاعل بالمعنى الأول لتعلّقه بالمادة الجسمانيّة وتحرّكه عند تحريكه يلحقه لا محالة كلال وإعياء ودثور وفناء ، لأنّ الجسمانيّات متناهية الذوات ، متناهية القوى والانفعالات ، كما أنها متناهية الامتدادات والاتصالات ، فيصحبها الكلال أولا ثم الزوال ثانيا ، وقد صرّح بعض الحكماء بأن الفاعل الجسماني قابل في الحقيقة لفعله لمباشرته إياه ، وأمّا القوى الفعالة المقدّسة عن شوب
تفسير القرآن الكريم — صفحة 178
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٧٨