السماوات والأرض ، إذ كما أن الكرسي بطبيعته الجسميّة المحددة للأمكنة والأزمنة محيط بما في داخله - لا كمجرد إحاطة الظرف بالمظروف محددا كان المكان المحاط عليه أم لا ، بل بأن لا يتعيّن للمحاط عليه مكان أو حيّز أو وضع أو ما شئت فسمّه إلا بسبب طبيعة جسميّة بخصوصها - فكذلك بحقيقته العقليّة والنفسيّة وروحه وقلبه الذي هو مستوى الرحمن مؤثرة فيما دونها من النفوس والطبائع الفلكيّة والعنصرية وملكوت العالم السفلى - من الجماد والنبات والحيوان - ولذلك تنبعث الأرزاق والآجال من هناك وترتفع الدعوات لطلب الحاجات إلى ذاك ، فأراد أن يشير إلى أن ذلك لا يشق عليه ولا ينوء به فقال :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
.
أي : لا يتعب الكرسي ولا يشقّ على ظاهر حقيقته وباطن قلبه حفظ أجسام السماوات والأرض وحفظ نفوسها وطبائعها وصورها - إن كان الضمير راجعا إلى « الكرسي » .
أو لا يتعبه تعالى حفظهما بالكرسي على الوجه المذكور - إن كان الضمير راجعا إليه سبحانه - كما لا يؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها اللّه في السر الإنساني بقوله تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ 2 / 31 ] .
وتحقيق هذا المطلب يحتاج إلى مزيد تقرير له ليظهر لك بالبرهان كيفية دوام الممكن بدوام علّته الفيّاضة من غير تعب وملال وأودة وكلال ، وهذا هو الذي وعدناه آنفا ، فاستمع وعه .
الفائدة الثالثة
اعلم أن للحق تعالى أسماء وصفات ، ولكل منهما مجالي ومظاهر في كل