الانفعال المادي ، المرتفعة عن حضيض العالم السفلي فهي مسلوبة التغيّر عن حالها ، ممتنعة التجدّد في فعالها ، بريئة الذوات عن لحوق معنى عارض يوجب كلالها وملالها ، أو مضادّ مفسد يقتضي فسادها وزوالها .
فهي وسائط فيض الحق وروابط جوده ومكثر جهات رحمته ومفنّن شعوب فضله وجوده ، فهي بالحقيقة عباد الرحمن المؤتمرون بأمره ، المتزجّرون بنهيه وزجره ، كما وصفهم اللّه تعالى بقوله :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ 66 / 6 ] .
بخلاف الفاعل بالمعنى الأول ، فإنّه لوقوعه في عالم الأضداد وتصادم صور المواد ربما يعوق عن فعله المقصود لمانع ، ويقطع عن طريقه المصمود إليه لقاطع .
وإن أردت زيادة التوضيح فقد أودع اللّه تعالى في نفسك هذين الضربين من التأثير ، أي : الإبداع والتحريك وهو المسمى بالإحداث أيضا ، لأنّ الحدوث يعرض الحركة بالذات ولما يقترنه بالعرض .
ف « الإبداع » إيجاد شيء لا عن شيء ، ومثاله فيك تصوّرك للأشياء بقوّتك المصوّرة ومثولها بين يديك في عالمك الخاصّ على وجه يكون وجودها لك نفس مشاهدتك إياها ؛ و « الإحداث » هو جعل الشيء شيئا ، ومثاله فيك تكلّمك وكتابتك بآلات وأسباب طبيعية أو غيرها .
ففي الضرب الأول لا يصرف منك شيء إلا مجرد الالتفات والعناية ، وفي الثاني يصرف منك المادة والآلة والزمان والقوة شيئا فشيئا ، فيحصل منه المفعول تدريجا ويكمل عند انقضاء الحركة والزمان ، وهما مقدار خروج المادة إلى الفعل ، وتوجه القوة والآلة نحو الكمال ، تقرّبا إلى المبدإ الفعّال .