وتسعون تنّينا لكل تنّين - أي : حيّة - تسعة رؤوس ينهشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون » « 1 »
فلا تتوقف في الايمان به صريحا من غير تأويل ، ولا تحمله على المجاز أو الاستعارة ، بل كن أحد رجلين : إما المؤمن بظواهر ما ورد في الكتاب والحديث من غير تصرّف وتأويل ، أو العارف الراسخ في تحقيق الحقائق والمعاني مع مراعاة جانب الظواهر وصور المباني ، كما شاهده أرباب البصائر ببصيرة أصح من البصر الظاهري .
ولا تكن الثالث بأن تنكر الشريعة الحقّة وما ورد فيها رأسا وتقول : « إنّها كلّها خيالات سوفسطائية ، وتمويهات وخدع عامية » نعوذ باللّه وبرسوله من مثل هذه الزندقة الفاحشة ، ولا الرابع بأن لا تنكرها رأسا ولكن تأويله بفطانتك البتراء وبصيرتك الحولاء إلى معان عقلية فلسفية ، ومفهومات كليّة عامية فإن هذا في الحقيقة إبطال الشريعة ، لأن بناء الشرايع على أمور يشاهدها الأنبياء مشاهدة حقيقية لا يمكن تلك لغيرهم إلا بنور متابعتهم ، وإن كان منشأ ذلك غاية القوة الباطنية العقلية .
فإن كنت من قبيل الرجل الأول فقد أمسكت بنوع من النجاة ، لكن لا قيمة لك في الآخرة إلّا بقدر همتك في الدنيا ، ولا مقدار لك في عالم المعنى إلا على مبلغ علمك بحقائق العقبى ، وإذ لا علم فلا رتبة هناك ، لأن كمال ذلك العالم هو عالم الحيوان ، وقوامه بالنيات الحقة والعلوم الباقية ، كالعلم اليقيني باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فغير العارف بمنزلة جسد بلا روح ولفظ بلا معنى ، ومع ذلك فالنجاة فوق الهلاك .
وذلك أيضا بشرط سلامة الفطرة عما يغيّرها من الأغراض النفسانية وبشرط
هامش
( 1 ) الدر المنثور : 4 / 311 .