تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد المتفلسفون والطبيعيون والأطباء فأوّلوا كلما ورد في الآخرة وردّ وها إلى آلام عقلية روحانية ، ولذّات عقليّة روحانية وأنكروا حشر الأجساد ، وقالوا ببقاء النفوس مفارقة إما معذّبة بعذاب أليم ، وإما منعّمة براحة ونعيم لا يدرك الحس ، وهؤلاء هم المسرفون عن حدّ الاقتصاد ، وحدّ الاقتصاد بين برودة جمود الحنابلة وحرارة انحلال المؤولة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الراسخون في العلم والحكمة والمكاشفون ، الذين يدركون الأمور بنور إلهي ، لا بالسماع الحديثي ، ولا بالفكر البحثي » . أقول : كما أن اقتصاد الفلك في طرفي التضاد ليس من قبيل اقتصاد الماء الفاتر الواقع في جنس الحرارة والبرودة بل الممتزج منهما فكذا اقتصاد الراسخين في العلم ليس كاقتصاد الأشاعرة ، لأنه ممتزج من التأويل في البعض والتشبيه في البعض ، وأما اقتصاد هؤلاء فهو أرفع من القسمين وأعلى من جنس الطرفين حيث انكشف لهم بنور المتابعة أسرار الأمور على ما هي عليها من جانب اللّه بنور قذف في قلوبهم وشرح به صدورهم ، ولم ينظروا إلى هذه الأمور من السماع المجرد ونقل الألفاظ من الرواة ليقع بينهم الاختلاف في المنقول فلا يستقرّ فيها قدم ولا يتعيّن موقف ، وأما الذي نحن فيه الآن فكشف الغطاء عن حد الاقتصاد فيه يحتاج إلى استيناف مسلك إلهي ونمط قدسي وانقطاع عن الرسوم ، وتوجّه تامّ إلى الحيّ القيّوم . وأما الأنموذج الذي وعدناك ذكره من طريق العلماء الراسخين - الذين لا يعلم بعد اللّه ورسوله متشابهات القرآن غيرهم - فهو مما أذكر مثالا ولمعة منه إنشاء اللّه ، لأني أراك قاصرا عن دركه وعاجزا عن فهم سره وحقيقته ، فإنه نبأ عظيم وأنتم عنه معرضون .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 165 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )