فاعلم أن مقتضى الدين والديانة أن لا يأول المسلم شيئا من الأعيان التي نطق به القرآن والحديث إلا بصورها وهيئاتها التي جاءت ، بل اكتفى بظاهر الذي جاء إليه من النبي والأئمة سلام اللّه عليهم ، ومشايخ المجتهدين رضوان اللّه عليهم أجمعين ، اللهم إلا أن يكون ممّن قد خصّصه اللّه بكشف الحقائق والمعاني والأسرار ، وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل ، فإذا كوشف بمعنى خاصّ أو إشارة وتحقيق ، قرّر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان ، لأن ذلك من شرائط المكاشفة ، إذ قد مرّ أن ألفاظ القرآن يجب حملها على المعاني الحقيقية لا على المجاز والاستعارات البعيدة ، وكذا ما ورد في الشرع الأنور من لفظ الجنّة والنار والميزان والصراط وما في الجنّة من الحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها من العرش والكرسي والشمس والقمر والليل والنهار .
ولا يأول شيئا منها على مجرد المعنى ويبطل صورته ، كما فعله في باب الأعيان المعادية كثير من العقلاء المحجوبين بعقلهم وفطانتهم البتراء ، التي كانت البلاهة أدنى إلى الخلاص منها ، بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعانيها .
فاللّه تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى ، وما خلق شيئا في عالم المعنى وهو « الآخرة » إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب ، إذ العوالم متطابقة ، الأدنى مثال الأعلى ، والأعلى حقيقة الأدنى ، وهكذا إلى حقيقة الحقائق .
فجميع ما في هذا العالم أمثلة وقوالب لما في عالم الآخرة ، وما في الآخرة هي مثل وأشباه للحقائق والأعيان الثابتة ، التي هي مظاهر أسماء اللّه تعالى ، ثمّ ما خلق في العالمين شيء إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان ، فلنكتف في بيان حقيقة العرش وحقيقة الكرسي بمثال لكل واحد منهما في عالمنا الإنساني .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 166
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٦٦