عن الأغراض النفسانية ، الهاربون عن الخلق وعاداتهم ورسومهم الدنيّة إلى الإقبال بشراشر الهمّة إلى الحقّ ، المتعرّضون لنفحات اللّه في أيّام دهرهم ، المنتظرون لنزول الرحمة على سرّهم ، فهم في الحقيقة الواقفون على أسرار القرآن دون غيرهم ، سواء كانوا من الظاهريّين المشبّهين أو من العقلاء المدقّقين ، وكلاهما بمعزل عن فهم آيات القرآن ، إلا أن الظاهريّين أقرب إلى الصواب من المأوّلين لما أشرنا إليه من كون مقاصدهم قوالب المعاني القرآنية .
فقد ظهر وتبيّن لك أن لأرباب الأفكار التفسيريّة والأفهام القرآنية ثلاث مقامات :
فمن مسرف في رفع الظواهر كالقفّال وكثير من المعتزلة ، انتهى أمرهم إلى تغيير جميع الظواهر في المخاطبات التي تجرى في الشريعة الحقة - من منكر ونكير ، وميزان ، وحساب ، وصراط ، وفي مناظرات أهل النار وأهل الجنّة في قولهم :
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ
[ 7 / 50 ] وزعموا أن ذلك لسان الحال .
ومن غال في حسم باب العقل كالحنابلة أتباع أحمد بن حنبل ، حتّى منعوا تأويل قول
« كُنْ فَيَكُونُ »
وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يتعلّق بهما السماع الظاهري ، يوجد من اللّه تعالى في كل لحظة بعدد كل متكوّن ، حتى نقل عن بعض أصحابه أنه يقول : حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ :
قوله صلّى اللّه عليه وآله : « الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض » « 1 »
و
قوله صلّى اللّه عليه وآله : « قلب المؤمن بين إصبعين من
هامش
( 1 ) الجامع الصغير : 1 / 151
وفي المستدرك للحاكم : كتاب المناسك . 1 / 457 : « يمين اللّه التي يصافح بها خلقه » .