أو قلّ - فلهم درجات في الترقّي إلى أطواره وأغواره ، وأما الاستيفاء والوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه ، ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما فأسرار كلمات اللّه لا نهاية لها ، فنفد البحر قبل أن تنفد كلمات اللّه .
فمن هذا الوجه تتفاوت العقول في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير الذي ذكره المفسّرون ، وليس ما حصل للراسخين في العلم من أسرار القرآن وأغواره مناقضا لظواهر التفسير ، بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن ظاهره .
فهذا ما نريده لفهم المعاني لا ما يناقض الظواهر ، كما ارتكبه القفّال وتبعه غيره من المفسّرين من تأويل « الكرسي » إلى مجرد تصوير عظمته وتخييل كبريائه ، وكذا ما فعله غيره من تأويله إلى مجرد القدرة والسلطان أو إلى العلم ، لأن كلّها مجازات بعيدة لا يصار إليها ، لا بحسب نقل صريح عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله أو عن الأئمة المعصومين عليهم السّلام .
ثمّ لا ضابط للمجازفات والظنون والأوهام ، فلا بدّ للمفسّر إما أن لا يعول إلا على نقل صريح ، أو على مكاشفة تامّة ووارد قلبي لا يمكن ردّه وتكذيبه وإلا فسيلعب به الشكوك كما لعبت بقوم تراهم أو نرى آثارهم الفكريّة من هذه القرون ومن القرون الخالية ، وشرّ القرون ما طوى فيه طريق الرياضة والمكاشفة ، وانحسم باب الذوق والتصفية ، وانسدّ طريق السلوك إلى الملكوت الأعلى بأقدام المعرفة والتقوى ، وشاع الجهل والإصرار والرعونة والاستنكار وطلب الرياسة والشهرة عند الناس وتقرّب السلاطين في هذه الدنيا .
فإن هذه توجب سخط اللّه وسخط الرسول وأولياء اللّه ، وتستلزم الاحتجاب عنه تعالى والحرمان عن الوصول إليه ، والاحتراق بنار القطيعة والطرد والبعد عنه تعالى ، والعمى عن مشاهدة الأنوار التي يكاشفها المجرّدون
تفسير القرآن الكريم — صفحة 162
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٦٢